|
تهمة التحريض على العنصرية, كيل بمعيارين ؟
المحامي مصطفى سهيل محاميد - مؤسسة ميزان لحقوق الانسان - الناصرة
18/01/2016

 

في تاريخ 9.12.2015, أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية, بصفتها محكمة العدل العليا, قرارها القاضي بعدم التدخل في قرار المستشار القضائي للحكومة بعدم تقديم لائحة اتهام, بتهمة التحريض على العنصرية, ضد مؤلفي وناشري كتاب "شريعة الملك" أو "תורת המלך". وكان قرار العليا قد اتخذ بأغلبية قضاة اثنين (القاضي روبنشتاين ورئيسة المحكمة القاضية ماؤور), مقابل رأي القاضي سليم جبران .    

ومع اقتراب موعد بحث المحكمة العليا في استئناف الشيخ رائد صلاح على إدانته بتهمة التحريض على العنصرية والتحريض على العنف, والمحدد بتاريخ 25.1.2016, رأيت من المناسب أن أجري مقارنة بين توجه المحكمة العليا في قرارها بشأن كتاب "شريعة الملك" وبين توجه المحكمة المركزية في القدس من خلال قرارها الذي أدانت فيه  الشيخ رائد صلاح بتهمة التحريض على العنصرية بسبب أقواله في درس ألقاه قبيل خطبة جمعة, في عام 2007, فيما عرف لاحقا بـ"خطبة وادي الجوز".

لقد أدين الشيخ رائد صلاح بتهمة التحريض على العنصرية ضد اليهود, بسبب جملة جاءت في سياق طويل تحدث يومها فيه عن أحداث هدم باب المغاربة، الذي يشكل جزءا من المسجد الأقصى, حيث جاء في سياق حديثه ما يلي  "ما سمحنا لأنفسنا يوما أن نجبل خبز الفطور في رمضان بدماء الأطفال, ومن أراد تفسيرا أكثر فليسأل ماذا كان يحدث لبعض الأطفال في أوروبا عندما كانت تجبل دماؤهم بالخبز المقدس".

ورغم إن قاضية محكمة الصلح كانت قد برأت الشيخ رائد من تهمة التحريض على العنصرية, ولم تجد في الجملة أعلاه ما يثبت وجود نية لدى الشيخ للتحريض على العنصرية "إلا أن المحكمة المركزية قد قلبت الحكم, وقررت إدانته في التهمة المذكورة .

بعض الاقتباسات من كتاب  “ شريعة الملك كما جاء سردها خلال قرار المحكمة العليا:

جاء في الكتاب  أن غير اليهود اليوم هم حيوانات لا تعرف معنى لحياتها.

يعرض الكتاب موقفا يسمح المساس بغير اليهود الأبرياء في فترة الحرب، ويؤيد ويمدح قتل الأطفال غير اليهود  من باب الانتقام.

جاء في الكتاب نص  يصف غير اليهود بالأشرار، ولذلك يمكن النظر إليهم كأنهم أفاع.

الكتاب يتحدث صراحة عما يسميه "العدو العربي" وقسوة ووحشية هذا العدو، والطريقة القاسية والوحشية التي يجب معاملته بها.

في الكتاب عرض لفتوى  الحبر "الراب" المدعو  (المهرال), والتي بموجبها يستطيع الأفراد من الشعب اليهودي تنفيذ أعمال الانتقام المذكورة (إتاحة قتل الأبرياء والأطفال) كرأي "تجديدي" (חידוש בהלכה). وفي سياق الحديث عن تلك الفتوى يتساءل المؤلفان:  "يجب البحث فيما إذا كانت هذه الفتوى (فتوى المهرال) سارية المفعول أيضا على الزوار من أبناء شعب ثالث الموجودين الآن بين الشعب الذي نحاربه" , وفي ذلك إشارة واضحة أن الفتوى التي تجيز قتل الأطفال والأبرياء سارية المفعول على الشعب العربي. والسؤال هو حول إمكانية تطبيقها على أبناء شعوب أخرى موجودون حيث يوجد الشعب العربي الفلسطيني؟

الكتاب يتحدث خلال سياق التطرق للسماح بعمليات انتقامية من الأبرياء وحتى الأطفال عن "الشعب الذي نحاربه" وعن"العدو العربي في هذه الأيام المعروف بالعمال الوحشية والبربرية", كناية عن الشعب الفلسطيني، بل إن الكتاب يشير إلى أن وحشية الشعب العربي اليوم تزداد إذا لم يكن هناك رد العين بالعين.

في تزكية الكتاب، والتي كتبت بيد كاهن آخر اسمه "الراب ليؤور" جاء: "هذه القضايا تتطرق بشكل كبير إلى وضعنا اليوم في أرض إسرائيل, التي علينا احتلالها من أيدي أعدائنا "

في الكتاب اقتباس لرأي الحبر المسمى المهرال، الذي يتيح لأي فرد إسرائيلي تنفيذ عمليات انتقامية وهدر دماء الأبرياء أبناء الشعب العربي, إذ ليس بالضرورة أن تنفذ الدولة الأعمال الانتقامية وهدر دم أبناء "مملكة الشر" كما يسميها المهرال. وهاكم الاقتباس: "لا حاجة لقرار أمة لإتاحة (هدر) دم مملكة الشر, الأفراد أيضا يستطيعون ذلك".

جاء في الكتاب أيضا أن من يدعي أن هذه الأرض له وليس لليهود فهو يستحق الحكم بالموت لمجرد هذا الادعاء: "إذ أن غير اليهود الذين يطالبون بهذه البلاد لأنفسهم يرتكبون مخالفة "גזל"  ولذلك يستحقون عقاب الموت".

لماذا لم يحاكم مؤلفو الكتاب؟

بداية يجدر القول إن وصف مؤلفي الكتاب المشؤوم "شريعة الملك" بالعنصريين هو أمر يتفق عليه حتى قاضي العليا "إلياكيم روبنشتاين" , رغم أنه صادق على قرار المستشار القضائي بعدم تقديمهما للمحاكمة. وقد جاء في قرار القاضي روبنشتاين: "من الصعب أن نشك في عنصرية المؤلفين", ومع ذلك فلم تتدخل العليا في قرار عدم تقديمهما للمحاكمة، وذلك للتبريرات والمسوغات التالية:

1 . اقتبس  القاضي روبنشتاين (في بداية ص 13) , موقف المحكمة العليا (ההלכה הפסוקה המצוטטת מתוך ההחלטה בבג"ץ 6226/01 אינדור נגד ראש עירית ירושלים ) القاضي بعدم المساس في حرية التعبير والحرية الدينية، والذي حسبه فإن حرية التعبير تشمل عبارات قاسية ومثيرة، وحتى عبارات عنصرية. كما أن الحرية الدينية هي جزء من كرامة الإنسان، وأن لتعليم التوراة مكانة مركزية في الديانة اليهودية. ومن هنا فإن تحديد الحرية في دراسة التوراة فيها مساس لا يستهان به بالإنسان المؤمن (المؤمن بالتوراة), وفي ذلك إشارة إلى أن العبارات العنصرية إذا كان مصدرها التوراة فهي عبارات محمية تحت حرية العبادة والاعتقاد الديني. وفي نهاية الصفحة 13 يقول القاضي روبنشتاين إن رأيه الشخصي يخالف ما جاء في القرار المذكور أعلاه، فهو يعتقد أن حرية التعبير لا تشمل العنصرية, ومع ذلك فلم يجد مجالا للتدخل وتغيير قرار المستشار القانوني.

2. جاء في قرار القاضي روبنشتاين (الذي صاغ رأي الغالبية)،  أن سياسة المحكمة العليا هي عدم التدخل في قرارات المستشار القضائي بعدم تقديم لوائح اتهام إذا كانت مبنية على "عدم توفر الأدلة"، (علما أن الدليل هنا هو الكتاب نفسه الموجود بين يدي المستشار القضائي وبين يدي المحكمة).

3 . جاء في قرار القاضي روبنشتاين أن المستشار القضائي  اعتقد بعدم إمكانية إثبات العامل النفسي المطلوب وفق البند 144 (ب) (أ) لقانون العقوبات؛ بمعنى إثبات القصد، حيث أن البند المذكور يتحدث عن كل من ينشر شيئا بهدف التحريض على العنصرية (המפרסם דבר מתוך מטרה להסית לגזענות).

4 . جاء في قرار القاضي روبنشتاين أنه من أجل التدخل في قرار المستشار القضائي، على المحكمة أن تقتنع إن هناك احتمالا معقولا للإدانة (סיכוי סביר להרשעה)، ولكنه لم يقتنع أن المادة التي في الكتاب فيها هذا الاحتمال المعقول للإدانة (ص 24 – 25 ).

5. جاء في تسويغات القاضي روبنشتاين أنه لا يمكن الإثبات أن ما جاء في الكتاب كان بقصد التحريض على العنصرية، وذلك للأسباب التالية:

(1) . إن ما جاء في الكتاب حول جواز قتل الأبرياء والأطفال من غير اليهود يتحدث عن حالة حرب. وحسب القاضي روبنشتاين لا يمكن أن نثبت من خلال الكتاب إذا كان مؤلفاه يعتقدان أن إسرائيل في حالة حرب أم في غير حالة حرب, ولذلك لا يمكن أن نقول إن الكتاب يقصد أن الفتوى سارية المفعول في أيامنا هذه.(ص 34).

(2) . حسب رأي القاضي روبنشتاين, من الصعب القول إن الفتوى المقتبسة من المهرال، والتي تتحدث عن جواز تنفيذ أفراد من الشعب اليهودي بأنفسهم, وليس عن طريق الدولة, أعمالا انتقامية من الأطفال والعزل والأبرياء, هذه الفتوى وسردها في الكتاب, لا تكفي كدليل إثبات أن موقف مؤلفي الكتاب يؤيد تنفيذ أفراد الانتقام من الأطفال والعزل، ولذلك لا يمكن إثبات العامل النفسي المطلوب في البند الذي يعرّف المخالفة, وهو أن الهدف من النشر هو التحريض على العنصرية.

رأي الأقلية للقاضي جبران:

لقد خالف القاضي سليم جبران رأي القاضيين روبنشتاين وناؤور, حيث رأى أنه يجب إعادة الملف للمستشار القضائي وللنيابة لاستيفاء التحقيقات ولإعادة النظر في القرار بعد استيفاء التحقيق.

ومن خلال قراءة رأي القاضي جبران يتضح أنه يخالف القاضيين الآخرين بما يلي:

1. من يقرأ الكتاب يفهم أن سياق الكتاب يتحدث عن العرب بالذات من بين كل الشعوب غير اليهودية.

2. واضح من سياق الكتاب أنه يرى أن إسرائيل موجودة في حالة حرب, وهذا يعني أن الفتوى التي تجيز قتل الأطفال والأبرياء والعزل, سارية المفعول في أيامنا، وتعني بالذات الشعب الفلسطيني.

3. في نظر القاضي جبران من سياق النصوص المقتبسة في الكتاب، وخاصة فتوى المهرال المذكورة, فإنه من الواضح أن هناك احتمالا كبيرا في أن قصد المؤلفين هو سريان الفتوى على الأفراد اليهود, وإعطاءهم إجازة لتنفيذ أعمال انتقامية تشمل الأطفال والعزل بأنفسهم، وليس من خلال أجهزة الدولة.

 

الخلاصة :

خلاصة القول إننا الآن أياما قليلة قبيل بت محكمة العليا في الاستئناف الذي قدمه الشيخ رائد على إدانته في تهمة التحريض على العنصرية. والسؤال المطروح: كيف ستتعامل العليا مع الشيخ رائد؟ هل ستتعامل معه كالمتهم  المدان مسبقا, أم كالمتهم الذي لم تثبت إدانته؟

ملاحظة أخيرة:

لقد أدين الشيخ رائد في ملف وادي الجوز بتهمة أخرى وهي التحريض على العنف, وذلك بسبب مقاطع أخرى في الدرس الذي ألقاه في وادي الجوز, وكانت الإدانة بأغلبية اثنين من قضاة المحكمة المركزية مقابل قاض واحد, وهو موضوع لمقال آخر حول نظرة القضاة لأقوال الشيخ رائد مقارنة مع أقوال حاخامات وقيادات يهودية, ومن ضمنهم ما جاء في "شريعة الملك".