|
بحث جديد حول حدود استعمال الشرطة للقوة
إعداد: عبدالمنعم فؤاد – مؤسسة ميزان لحقوق الانسان – الناصرة
13/04/2014

يعتقد كثير من الشرطيين أن عليهم أحياناً أن يلووا ذراع القانون ضمن تنفيذهم لمهامهم الشرطية، لأن الانصياع للقانون فيما يتعلق باستعمال القوة -حسب رأيهم- يثقل عليهم خلال معالجتهم للأحداث المختفة، وأنهم كانوا سيؤدون مهمتهم بشكل أفضل لو لم يكن هاجس القانون يشغلهم لحظة تنفيذ مهامهم.

هذا ما تبين من بحث أجرته نائبة رئيس قسم الإجرام في الكلية الأكاديمية "أشكلون" بروفيسور أفرات شوهم مع اختصاصية الإجرام د.شيرلي يهوشع.

فقد فحصت الباحثتان مدى شرعية استعمال القوة خلال تنفيذ أفراد الشرطة المدنية وأفراد شرطة حرس الحدود عملهم. بالإضافة إلى ذلك فحصت الباحثتان مدى شرعية أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية في حال وجود شكوك لاستعمال مفرط للقوة غير مبرر. وقد كان عدد عينة البحث 80 شرطيا مدنيا و60 شرطيا من حرس الحدود و60 مواطنا عاديا، جميعهم من منطقة الجنوب.

وتعكس نتائج البحث صورة مقلقة، حيث يرى غالبية الشرطيين في القوة والعنف وسيلة شرعية لأداء دورهم. فغالبية أفراد الشرطة المدنية (94%) ادعوا أن استعمال القوة هو جزء شرعي من عملهم. كذلك الأمر عند أفراد حرس الحدود والمواطنين العاديين، وأكثر من 70% من هؤلاء أيدوا نفس الادعاء. أما 85% من أفراد الشرطة فيعتقدون أن أفضل طريقة لمعالجة المظاهرات هي استعمال القوة و75% يوافقون الرأي أنه لو كانت هناك قيود أقل على استعمال القوة لكانت نسبة الجريمة أقل. كما أيد 70% من العينة كلها (200 شخص) الادعاء بأن مسألة تقييد استعمال القوة تصعّب على الشرطة أداء مهمتها ومعالجتها للأحداث. فيما قال 75% من أفراد حرس الحدود إن في إمكانهم أداء مهامهم بشكل أفضل لو أنهم لم يهتموا بقانونية تصرفاتهم خلال أداء مهمتهم، ومن أفراد الشرطة المدنية أيّد هذا الرأي 59% ومن المواطنين العاديين 46%. وقال أكثر من 70% من أصحاب العينة إنه أحيانا ليس هناك مفر من ليّ عنق القانون، أي استعمال القوة والعنف.

ويقول القائمون على البحث إن النتائج تعكس صورة قاتمة ومقلقة، حيث أن غالبية أفراد الشرطة يعتبرون استعمال العنف والقوة أداة شرعية لتنفيذ المهام. وتقول شوهام: "ما يقلقني أكثر هو الدعم الذي يبديه المواطنون الإسرائيليون العاديون لأفراد الشرطة، الذين يستعملون القوة والعنف. فالشرطة تعمل في جو تربوي ينتجه الجمهور. وعندما يرى الجمهور عنف الشرطة ضد العرب يتقبل ذلك لأنه يمس الآخر ولا يمسه هو. وعندما يمس الأمر شخصاً مثلنا مباشرة فتقوم الدنيا ولا تقعد ويصحو الإعلام من سباته، والكل يتحدث عن الموضوع". لكنها تضيف: "وحتى في مثل هذه الحالات فالموضوع يستغرق يوما أو يومين على الأكثر ثم ينزل من الإعلام".

في سنة 2000 (هبة القدس والأقصى - المحرر) أجرى د.أفراهام كرميلي ونعمة شمير مقابلات شخصية مع أفراد من حرس الحدود الذين واجهوا مظاهرات تلك الفترة. وكانت إجابات غالبيتهم أن القانون يضعف موقفهم أمام تحديات الواقع الذي يعيشونه وقت مجابهة المظاهرات، واشتكوا من ضبابية التعليمات وقلة الإرشادات وقلة الدعم والمسندة لهم. وهو ما يفسر انتقادات أفراد حرس الحدود لأجهزة الرقابة – المحاكم وقسم التحقيقات مع أفراد الشرطة \م.ا.ح.ش – كما يقول القائمون على البحث. فقد قال 94% من أفراد حرس الحدود إن أجهزة الرقابة المختلفة تصعّب من عمل الشرطي وتقيد عمله. ووافقهم الرأي أيضاً 80% من أفراد الشرطة العادية و65% من المواطنين العاديين. وقال غالبية أفراد الشرطة إنه فقط شرطي مثلهم يستطيع الحكم على شرطي آخر متهم باستعمال القوة والعنف المفرط. وغالبية من جرى استطلاعهم في هذا البحث – من شرطة ومواطنين عاديين – قالوا إن القانون يعمل لصالح مخالفي القانون – على حد تعبيرهم.

وفي السياق، دلت أبحاث فحصت علاقة أفراد الشرطة بأجهزة تطبيق القانون المسؤولة عنهم أنهم يرون أنفسهم مكتوفي الأيدي في مواجهة الإجرام وحدهم. وعندما ترفض المحكمة تمديد اعتقال شخص ما، أو عندما لا تقدم النيابة لائحة اتهام ضد شخص ما في ملفات عالجتها الشرطة، فإنهم يرون بذلك استهتارا بعملهم. وهناك معطى آخر في هذا البحث، وهو أن أفراد الشرطة يرون أن المسؤولين عنهم في قيادة الشرطة هم عامل معوق أيضا لتنفيذ عملهم، وأن قرارات قيادات الشرطة تنبع عادة من التطلع للتقدم في درجات الشرطة وليس نابعا من حاجات العمل في الميدان.

يذكر أن واحدا من كل عشرة شرطيين تعرض للتحقيق في العام 2013 من قبل وحدة التحقيق مع الشرطة كشاهد أو كمشتبه فيه. وأجرت الوحدة 1600 تحقيقاً في العام 2013. علما أن12% فقط من الملفات التي فتحت ضد شرطيين انتهت بفتح ملف جنائي. و15% انتهت بلجنة طاعة فقط. و34% من الملفات أغلقت لعدم كفاية الأدلة. و20% مع براءة تامة، كما أن 84% من الملفات التي جرى تداولها في المحاكم انتهت بإدانة الشرطي.

المحامي عمر خمايسي: عربدة بغطاء قانوني
وقال المحامي عمر خمايسي من مؤسسة ميزان لحقوق الانسان – الناصرة معقباً على البحث المذكور: جميعنا نسمع أو نشاهد أو نقرأ في وسائل الإعلام المختلفة عن حالات عنف من رجال الشرطة ضد أشخاص مشتبه فيهم. وللعلم فإن القانون الإسرائيلي يمنح رجال الشرطة والأمن صلاحية استعمال القوة المعقولة في حالات الاعتقال أو المحافظة على النظام العام. ويسأل هنا السؤال: ما هي مقاييس القوة المعقولة؟ ومتى يعتبر الأمر تجاوزا في استعمال هذه القوة ؟!

استعمال القوة مشرّع قانونيا ،وهو موجود في عدة بنود من قانون أوامر الإجراءات الجنائية (اعتقال وتفتيش) 1969 من البند 19، الذي يقول إن رجال الأمن ممن يملكون صلاحية اعتقال مشتبه فيه، في حال وجود سبب للاعتقال، أو محاولة الهروب، أو الاعتراض على الاعتقال، يحق لرجل الأمن استعمال أية وسيلة معقولة ومطلوبة لكي ينفذ الاعتقال !!!

كما أنه في قانون أوامر الشرطة 1971 تمنح الشرطة الحق في استعمال القوة في حالات وجود شكوك في عدم المحافظة على السلامة والنظام العام للجمهور، كمثال الشغب خلال التجمهر الممنوع في المظاهرات. وأيضا قانون الإجراءات الجنائية (صلاحيات اعتقال 1996 البند العاشر) حيث تمنح الشرطة صلاحية استعمال القوة في حال التخوف من هروب المشتبه فيه أو إحداث أضرار أو لفرض نظام في مكان معين.
تجدر الإشارة إلى أنه في جهاز الشرطة هناك قسم يسمى وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة "م.ا.ح.ش." يحقق في الشكاوى المقدمة ضد أفراد الشرطة، وفي حال اقتنعت أن الشكوى جدية وفيها أدلة كافية تقدم لائحة اتهام جنائية ضد الشرطي أو يخضع لجلسة استماع أو تغلق الملفات. ويكفي أن نقول في هذا الجانب إن الشرطة تحقق مع نفسها ، وفي التالي هي الحكم والخصم، فلا نعجب من أية نتيجة تتوصل إليها.

هذا ما يحدده القانون الإسرائيلي وتطبقه المحاكم. ومع أن لكل قضية حيثياتها وتبعاتها، إلا أن الواقع يؤكد أن القانون وقرارات المحاكم تتلون وتتغير حسب هوية المعتدي والمعتدى عليه. ولذلك فلا عجب من التقارير التي تشير إلى أن أفراد الشرطة يرون أن استعمال العنف هو جزء طبيعي من وظيفتهم ودورهم. فلولا الضوء الأخضر من المحاكم الإسرائيلية، التي تفرض عقوبات مخففة على أفراد شرطة أدينوا في استعمال مفرط للقوة والعنف الشديد وصل في حالات حد القتل وفي نهاية المطاف يعاقب الشرطي القاتل بالسجن سنة واحدة فقط! ومنهم من يبرأ في ذات المحاكم. وهذه إشارة واضحة تحمل في طياتها رسائل لأفراد الشرطة في حال استعمالهم للعنف المفرط. وأكبر دليل على تساهل قسم التحقيقات مع الشرطة ،والذي من المفروض أن يراقب عمل رجال الشرطة ويعاقبهم في حال التجاوزات، أنه أقدم على خطوة نادرة وهي اغلاق ملف قتل 13 شهيدا من فلسطينيي الداخل خلال هبة القدس والأقصى، وفي التالي فإن الرسالة هي: لا بأس إن قتلتم العرب أو اعتديتم عليهم طالما "نحن بظهوركم". وهناك الكثير من الحالات التي يكون فيها اعتداءات وحشية من قبل أفراد الشرطة على المدنيين تنتهي بلائحة اتهام ،ولكن ليس ضد الشرطي إنما ضد المجني عليه.