في مقابلة صحافية أجراها موقع “العربي الجديد” مع المحامي عمر خمايسي، مدير مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان في الناصرة، بمناسبة الذكرى الـ77 للنكبة، شدّد خمايسي على أن النكبة لم تنتهِ في عام 1948، بل ما زالت مستمرة حتى اليوم، وتنعكس دلالاتها في ممارسات مختلف المؤسسات الإسرائيلية، من الشرطة إلى النيابة العامة والمحاكم وغيرها. وقال: “النكبة متواصلة من خلال التصعيد غير المبرر ضد مجتمعنا العربي، في جوانب تمس حقوقه وحرياته الأساسية”.
وأضاف خمايسي: “عند الحديث عن الاعتقالات، وخاصة الاعتقال الإداري، فإننا لا نتحدث فقط عن استمرار معاناة شعبنا نتيجة النكبة، بل عن استمرار نهج الحكم العسكري، وإن كان بمسميات مختلفة. ورغم الإعلان الرسمي عن انتهاء الحكم العسكري عام 1966، فإن الممارسات القمعية ما زالت مستمرة بأشكال جديدة تتناسب مع المرحلة، وسط تصاعد في العنصرية وتفعيل مستمر لحالة الطوارئ وقوانينها، بما في ذلك قوانين تعود إلى ما قبل عام 1948. هذه القوانين تتيح، على سبيل المثال، اعتقال شخص دون توجيه تهمة، ومن دون محاكمة، أو عرض أدلة وبيّنات، بل بالاعتماد على مواد سرية وظنون”.
وتابع: “الجهة الأكثر تأثيراً في هذا السياق هي جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، الذي يقدّم توصياته إلى وزير الأمن، فيوقّع الأخير على أوامر الاعتقال التي تستمر لستة أشهر قابلة للتمديد إلى أجل غير مسمّى. وهكذا، قد يُعتقل الشخص سنوات دون أن تُنسب إليه تهمة، ودون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه أو دحض الشبهات، إن وُجدت أصلاً”.
وأشار خمايسي إلى أن “ما يضاعف خطورة هذا الواقع هو الارتفاع غير المسبوق في عدد المعتقلين الإداريين من أبناء المجتمع العربي خلال الأشهر الأخيرة. فقبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن عدد المعتقلين الإداريين يتجاوز بضعة أفراد – ربما خمسة، يزيدون أو ينقصون – أما اليوم فنحن أمام عشرات المعتقلين، ليس لارتكابهم أفعالًا محددة، بل لأن ثمة ظنًا بأن لديهم أفكارًا قد تُشكّل تهديداً أمنياً للدولة. هذا في وقت ينتشر فيه خطاب تحريضي في المجتمع اليهودي، تتحدث فيه شرائح واسعة علنًا عن الترحيل والإبادة والقتل ضد العرب دون أي محاكمة”.
ويرى خمايسي أن “الازدواجية في المعايير تُشكّل خطورة إضافية، إلى جانب سهولة توظيف الاعتقال الإداري والسياسات التي ينتهجها وزير الأمن والمخابرات. منذ السابع من أكتوبر، تغيّر السقف القانوني تماماً، وأصبح القضاء الإسرائيلي مطيعاً للأجهزة الأمنية والنيابة، ينفّذ ما يُطلب منه دون اعتراض. لم نشهد حتى الآن أي إلغاء لأمر اعتقال إداري، باستثناء الحالات التي قرر فيها وزير الأمن بنفسه إلغاء أوامر صدرت بحق مستوطنين، رغم الخطر اليومي الذي يشكّلونه على الفلسطينيين من خلال إرهابهم في الضفة الغربية”.
وأضاف: “من هذا المنظور، فإن النكبة ما زالت مستمرة، بل أصبحت أشد. فالشرطة والمخابرات والنيابة العامة كلها مؤسسات تعمل على تقويض الحقوق والحريات، وتعزيز القمع والاعتقال التعسفي والملاحقة ضد المجتمع العربي”.
ولفت خمايسي إلى أن “الاعتقال الإداري ليس نهاية المطاف، فبمجرّد أن تصنّف المؤسسة الإسرائيلية المعتقل ضمن خانة ‘الملف الأمني’، حتى دون إدانة، تبدأ سلسلة من الإجراءات القمعية، كمنع زيارات العائلة، أو إدخال الملابس والاحتياجات الأساسية. وقد وصل الأمر مؤخراً إلى التضييق على المحامين أنفسهم، عبر تفتيشهم عند الزيارات، بل إن بعضهم مُنع من دخول السجون لمدة عام كامل، ما حال دون لقائهم بموكّليهم”.
وتطرق تقرير “العربي الجديد” إلى ما أسماه “نكبة السجون”، مشيراً إلى كتاب أصدرته مؤسسة ميزان عام 2010 بالتعاون مع جهات أخرى بعنوان “صرخات من وراء القضبان”، وثّق الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون. وقال خمايسي: “الكتاب نقل شهادات الأسرى الذين عانوا الويلات، وتحدثوا عن صعوبات زيارات الأهالي والتواصل معهم، وعن الإهمال الطبي، ورداءة الطعام، والتضييق على ممارسة الشعائر الدينية، وتقييد حرية التعليم والثقافة، إضافة إلى العنف الجسدي والاعتداءات”.
وختم بالقول: “إذا كان هذا هو حال الأسرى في عام 2010، فإن الوضع اليوم أشد قسوة، لا سيما من حيث مستوى العنف، وسوء التغذية، وجودة الطعام. وما يزيد الطين بلة أن جهاز القضاء الإسرائيلي منح شرعية لهذه الانتهاكات، التي يقودها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير”.