|
قانون منع المقاطعة : ديمقراطية غارقة بالعنصرية !!
المحامي عمر شحادة خمايسي
22/07/2012

بعد الحملات العالمية والمحلية التي نادت بمقاطعة المنتوجات الإسرائيلية بشكل عام او منتوجات المستو

طنات بشكل خاص (مثل حملة جمعية "اعمار للتطوير والتنمية الاقتصادية" بعنوان "انا مقاطع" وحملة السلطة الفلسطينية التي أقرت قوانين تمنع بيع منتجات المستوطنات)، لم يكن لدى المشرع الإسرائيلي (الكنيست) أي بند يعاقب مثل هذه المبادرات وعليه قامت مجموعة من أعضاء الكنيست باقتراح "قانون يمنع المساس بدولة إسرائيل عن طريق المقاطعة" ووضع على طاولة لجنة القانون والدستور في الكنيست في عام 2010 حيث أجريت عليه العديد من التعديلات حتى تم التصويت والمصادقة عليه بصيغته النهائية بدعم حكومة نتنياهو اذ صوت لصالح الاقتراح 47 عضو كنيست بينما عارضه 38 عضو.

في صيغته الأولى كان الاقتراح يشمل بند يعاقب المواطنين الأجانب الذين يشاركون في حملات المقاطعة أو الدعوة إليها، بحرمانهم من الحق في الحصول على تأشيرة دخول إلى إسرائيل، قد يصل الى 10 سنوات؛ وقد تم شطب هذا البند خشية أن يضر بعلاقات إسرائيل الخارجية، وتم الاكتفاء بعقوبة تعويضية نتيجة أضرار مادية. كما كان الاقتراح يعاقب جنائيا كل مواطن أو مقيم في إسرائيل يقوم بعمل يتعارض مع القانون المقترح اذ كان يعرضه لغرامة 67300 شاقل من خلال إجراء جنائي أمام المحكمة. إلا انه تم حذف هذا البند أيضا بناءا على طلب المستشار القضائي للحكومة كونه الجهة المختصة للدفاع عن القانون أمام المحاكم واعترف انه من المستحيل الدفاع عن هذا البند أمام المحكمة لصعوبة تنفيذ وتطبيق العقوبات. كذلك تم حذف بند يعاقب كل دولة أو حكومة تدعو لمقاطعة إسرائيل بمنع تحويل أموال لها موجودة في بنوك إسرائيل وتحويل هذه الأموال للمتضررين كذلك منعها من التصرف بأي أملاك للدولة أو الحكومة الأجنبية داخل إسرائيل، الا ان طاقم من قبل وزارة الخارجية عارض هذا الاقتراح معللا أن هذا البند يتعارض مع اتفاقيات تجارية دولية بين إسرائيل والدول الأجنبية. وكان الهدف الأساسي من هذا البند محاربة الحملة التي أطلقتها السلطة الفلسطينية لمقاطعة منتجات المستوطنات. لم يكتف مقترحو القانون بهذه البنود بل تمادوا وذهبوا لأبعد من ذلك حيث اقترحوا أن يسري هذا القانون بأثر رجعي عام واحد إلى الوراء من يوم إقراره إلا أن وزارة القضاء عارضت هذا البند وطلبت حذفه.

خلق القانون بصيغته المقرة النهائية ردود فعل ونقاش واسع في إسرائيل منهم مؤيد ومنهم معارض إلا أننا نرى أن جميع الجمعيات المدنية العاملة في مجال حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث والدراسة والشخصيات الأكاديمية المعتدلة نسبيا متفقة هذه المرة على أن القانون هو من اخطر ما سن على يد الكنيست الإسرائيلي منذ إنشائها لأنه يصفع ديمقراطية الدولة بالصميم وخاصة الحق في التعبير عن الرأي كونه أساس النظام الديمقراطي، وبالتالي جاء القانون كأداة لمعاقبة كل من تسول له نفسه الدعوة للوقوف موقف المعادي للاحتلال أو المساس في شرعية دولة إسرائيل.

سأتطرق فيما يلي للتعريف ما هو المقصود بمقاطعة دولة إسرائيل حسب القانون:

"الامتناع قصدا من إقامة علاقة اقتصادية، ثقافية، أو أكاديمية مع شخص أو طرف أخر، بسبب صلته بدولة إسرائيل، أو بمؤسسة من مؤسساتها أو بمنطقة تحت نفوذها وسيطرتها، الأمر الذي يؤدي إلحاق الضرر به من الناحية الاقتصادية الثقافية أو الأكاديمية".

وعليه فان كل من يقوم بنشر حملة علنية لممارسة مقاطعة على دولة إسرائيل، تحمل في طياتها وحيثيات نشرها دعوة قد تؤدي لمقاطعة حقيقية، فانه سيقع تحت طائلة الملاحقة القانونية المدنية ومطالبته بالتعويض بدوا أي إثبات عن الأضرار التي يسببها النشر لكل متضرر حتى وان لم يثبت ان حملة المقاطعة أدت إلى ضرر حقيقي يمكن تقديره.
وهنا لا بد من التأكيد أن المسؤولية التعويضية يتحملها من يدعو وينشر للمقاطعة بعلم أنها سوف تؤدي لذلك وليس من يقاطع كقرار شخصي.

ولكن من الناحية الاخرى فان هناك بند يمنع أي شخص او جهة قامت بالاشتراك في المقاطعة او التزمت بحملة المقاطعة من دخول المناقصات المختلفة التي تطرحها الدولة. كذلك يوجد بنود تتعلق بمنع منح امتيازات ودعم مادي للمشتركين في المقاطعة وهي موجهه بالأساس للجمعيات والمؤسسات المدنية الغير ربحية العاملة والناشطة في حملات المقاطعة.

وهنا نرى أن القانون المقر من قبل الكنيست غير دستوري ويمس بالحق في التعبير عن الرأي السياسي ويتعارض مع قانون أساس كرامة الإنسان واحترامه الذي يؤكد بأن كرامة الإنسان وحريته هي من القيم والمبادئ الأساسية التي يضمنها القانون، ويتعارض أيضا مع القانون الدولي كونه يلزم سكان المناطق المحتلة الانصياع للسياسات الإسرائيلية مع أنها تعتبر منطقة محتلة، ويمس أيضا بمبدأ المساواة كونه يدافع عن وجهات نظر سياسية معينة تدعم الاحتلال بينما يمس في توجهات سياسية أخرى تعارض الاحتلال، كذلك يمس القانون بمبادئ قانون الأضرار .
وقد اصدر المستشار القانوني للكنيست الإسرائيلي تقريرا عن قانونية اقتراح قانون المقاطعة، حيث أكد فيه ان القانون المقترح بصيغته الراهنة وتعريف معنى "مقاطعة دولة إسرائيل" هو تعريف فضفاض وواسع وإضافة الفعل الضار (העוולה הנזיקית) حسب قانون الأضرار مما يترتب عليها مسؤولية تعويضية هي إشكالية بحد ذاتها وعليه فان القانون يشكل مساس في لب حرية التعبير السياسي وهذه التركيبة لاقتراح القانون هي على حافة عدم قانونيته بل أكثر من ذلك "أي انه غير قانوني". وفي ذات السياق بحث الاقتراح من قبل وزارات وجهات مختلفة في الدولة منهم من تحفظ من القانون كوزارة الخارجية التي ادعت ان هذا القانون من شانه الحاق الضرر في المعركة على شرعية دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية في العالم حيث ان الطرف الأخر سيستغل القانون للترويج بان إسرائيل هي دولة احتلال غير ديمقراطية، وان وزارة الخارجية تفضل إدارة المعركة على هذه الشرعية في الخارج بوسائل مختلفة دون سن قانون المقاطعة، كما كانت هناك تحفظات لوزارة القضاء ولجهات أخرى اخذت بعين الاعتبار ببعض التعديلات والتغييرات، لذلك نجد تغييرات في النص الأولي للقانون المقترح وبين القانون المقر والمصادق، في النهاية يمكن القول أن هذه الكنيست ضربت بعرض الحائط الكثير من التحفظات وسارت لإقرار القانون لتثبت أن العنصرية هي السلعة الرابحة في البلاد.

أما بكل ما يتعلق بالمحكمة العليا وقانون المقاطعة فمن الصعب المراهنة على ان مثل هذا القانون العنصري سيوافق عليه من قبل محكمة العدل العليا الإسرائيلية، ولا يفهم هنا أنني من مناصري قرارات المحكمة العليا ولا أعول عليها الكثير فهي التي أقرت سابقا عمليات الاغتيال بصفوف القيادات الفلسطينية وأقرت انتهاك حرمة الموتى في مقبرة مأمن الله وسمحت بنبش القبور وإقامة الجدار الفاصل والسماح بحصار غزة وقطع الكهرباء عن أهلها وأقرت التعذيب للمعتقلين ومصادرة الأراضي من أصحابها الحقيقين والقائمة طويلة ليس هنا المجال لتفصيلها، كذلك هي غير منقطعة تماما عن الرأي العام المستشري في الدولة وهي تسير في فلكه فاليوم نجد قضاة يسكنون هذه المستوطنات الغير شرعية ولا يجدون حرج في ذلك، وقضاتها لا يريدون ان يسن قانون يحد من صلاحيات المحكمة العليا في حال نقضهم لهذا القانون العنصري.

مع كل ما ذكرت أعلاه إلا أن المحكمة العليا لن تسمح لنفسها هذه المرة بالذات الاشتراك بإخراج وإنتاج فيلم عنصري صارخ ورخيص اعد في مطبخ المستوطنات الغير شرعية حسب القانون الدولي. لأنها في موافقتها على هذا القانون تكون بذلك أسقطت ورقة التوت الأخيرة التي تورى عورة هذه الديمقراطية الزائفة وتؤكد كونها دولة ابرتهايد ( الابرتهايد معناه الفصل العنصري وكان مستخدما للفصل بين البيض والسود بجنوب إفريقيا ومن قبل استخدم في الولايات المتحدة الأمريكية ويستخدم حاليا في إسرائيل للفصل العنصري بين اليهود والعرب).
جدير بالذكر أن المقاطعة تعتبر أسلوب وآلية من أساليب وآليات التعبير عن الرأي وانها تستخدم بطريقة سلمية متبعه في جميع أنحاء العالم حتى دول العالم الثالث منها، فمن الصعب إقراره في المحكمة العليا لما يتعارض مع روح الديمقراطية مما قد يودي هذه المرة لنزع مصداقية المحكمة العليا دوليا في المحافل الدولية التي ما زالت تنظر إليها كأداة لحفظ الحقوق والحريات وليست كأداة لقمع الحقوق والحريات.