|
الغرفة رقم 4
المحامي حسان طباجة
17/12/2008

الغرفة رقم 4

حسان ابراهيم طباجه*

 





منطقة المسكوبية في القدس والمعروفة ب "ساحة الروس" هي منطقة اشتهرت بالمعتقل الموجود فيها، وهو مكون من بنايات قديمة تقع على مساحات واسعة محاطة بمباني كانت في سابق عهدها بنايات مدنية، وقد تم تحويلها اليوم إلى محطة شرطة مركزية ومكاتب ومرافق للشرطة وكذلك إلى معتقل يحمل اسم المحطة ويدعى "سجن المسكوبية".

 

وإذا ما أردت, بكونك محام, الاستفسار عن موكل لك تم اعتقاله على خلفية فعالية سياسية، وبعد أن تدخل إلى محيط محطة الشرطة وتبدأ في السؤال عمن يمكنه مساعدتك في الوصول إليه فانك تصل إلى غرفة التسجيل في المحطة وسرعان ما يفهم الشرطي المناوب أن موكلك "ابن أقلية - בן מיעוטים" كما نسمى نحن العرب هناك, وان القضية لها خلفية سياسية فتجد هذا الشرطي يهمس لك همسا "اذهب إلى الغرفة رقم 4, ليس لنا أي دخل في هذا الاعتقال".

 

وإذا لم تكن قبل ذلك في الغرفة رقم 4 فتبدأ بسؤال من تجده في طريقك عنها وسرعان ما تلاحظ انك تتبع الإشارات التي كتب عليها "وحدة العمليات الخاصة" ومن ثم وبعد مرورك من بين البنايات القديمة ووسط أزقة ضيقة تصل في نهاية المطاف إلى لافته معلقة كتب عليها بالعبرية "غرفة رقم 4" وينتهي الزقاق بباب حديدي مغلق ومن ورائه كاميرا للمراقبة وأمامه جهاز اتصال داخلي يحوي بعض الأزرار وعلى ثلاثة منها كتبت الكلمات "تحقيقات" "مخابرات" و "هويات".



 

ويلاحظ أن "الغرفة رقم 4" أو "وحدة العمليات الخاصة" أو "قسم الأقليات" أعدت لتعطي أبناء الأقليات اهتماما خاصا ومتميزا وحيث أن الأقليات قد تحتاج إلى خدمات عدة وحتى لا يتم إرهاق المواطن بالتنقل من مكان إلى آخر فقد جمعت كل هذه "الخدمات" في مكان واحد هو "الغرفة رقم 4" وحفاظا على مشاعر الأقليات فقد جعلت هذه الغرفة في آخر رواق في المحطة وفي زاوية لا يصل إليها أي من رجال الشرطة العاديين.

 

وبعد أن تصل إلى الباب الحديدي وتقوم بالضغط على زر الاتصال لتعلن وصولك وتطلب الدخول تبدأ مرحلة الانتظار, قد تمضي ساعة وحتى ثلاث ساعات بل وأكثر قبل أن تدخل للقاء موكلك وفي هذه الإثناء تجلس على المقعد الخشبي الموجود أمام القسم ومن أمامك تشاهد مسلسلا من مسلسلات عمل القسم. بين الفينة والأخرى يمر احد المحققين, كلهم بلباس مدني وينتعلون الأحذية الرياضية, منهم الداخل ومنهم الخارج. بين الحين والآخر يصل شاب من "أبناء الأقليات" ويجلس على المقعد الخشبي ثم ما يلبث أن يُنادَى عليه من خلال مكبر الصوت؛ يتم فتح الباب كهربائيا، ويدخل ابن الأقلية إلى القسم ويطول غيابه، وتتكرر الأحداث. منهم من يقول انه جاء ليسجل حضوره كونه قد خرج من السجن ولا يزال في فترة الثلث؛ ومنهم من تم استدعاءه؛ ومنهم من يخرج فجأة ولم تكن قد رأيته يدخل من قبل فيسلم على شخص بجانبك متظاهرا انه كان في التحقيق ثم ما يلبث هذا الجالس بجانبك أن يهمس في أذنك قائلا لك: "هذا يعمل مخبرا وأنا اعرفه".

 

وما أن تدخل إلى القسم حتى تشم رائحة رطوبة كون الأرضية أسمنتية والبناء قديم ويقع تحت الأرض أما الحيطان فيغلب عليها لون أخضر باهت. في داخل القسم سرعان ما تلتقي بحراس ومحققين يلبسون اللباس المدني ويتكلمون باستهزاء وتكبّر كأنك لا شيء أمامهم، وما أن تجلس مع موكلك وتسمع منه عن التحقيق حتى تتعرف على برنامج آخر من برامج انتظارك في الخارج على المقعد الخشبي؛ ولا تستغرب إذا قال لك موكلك انه خلال الساعتين أو الثلاث الماضية وحين كنت تنتظر خلالها الدخول، كان ثلاثة أو أربعة أو خمسة من المحققين منشغلين بالاعتداء على موكلك والبصق عليه.

 

قد تمر بضع ساعات أخرى وقد يمر يوم حتى تأتي أخيرا جلسة المحكمة ويأتي محقق المخابرات الذي كنت قد التقيت به في الغرفة رقم 4 ليدعي أن موكلك الذي كان مكبلا بالأغلال ومحاطا بخمسة من المحققين في دهليز تحت الأرض، قد هاجمهم واعتدى عليهم وبصق في وجوههم، وانه مشتبه به بالاعتداء على رجل شرطة، وبذلك فإنه يشكل خطرا على الجمهور ولا بد من تمديد اعتقاله.

 

بعد مدة من التعامل مع محطة المسكوبية تبدأ قوانين اللعبة بالاتضاح وسرعان ما تتعلم أن هناك المواطن وهناك "ابن الأقلية"، وان هناك القانون وهنالك "الواقع"، وان هناك محطة للشرطة، وهنالك في آخر الزقاق, أعدت خصيصا لحضرتك, ... "الغرفة رقم 4".

 

* مدير مركز ميزان لحقوق الإنسان - الناصرة : Tabajah@Meezaan.org