|
حق الرؤيا والمشاهدة
المحامي زياد عرابي
10/02/2013


ما أن يحصل نزاع وشقاق بين الزوجين، وما ان يفترقا، وحتى قبل صدور أي قرار بالتفريق (طلاق) من قبل ألمحكمه

الشرعية حتى يبدأ الصراع بين الطرفين على الأطفال الصغار، وعلى حضانتهما  وعلى مسألة المشاهدة والرؤية والاستضافة.

والعجيب الغريب أن كلا من الزوجين يحاول ان يستغل الصغار ويقحمهما في هذه الخصومة القائمة بينهما للانتقام من الطرف الآخر، حتى لو كان ذلك على حساب الصغار أنفسهم، لأن لهذا الأمر تبعات مالية كالنفقة وأجرة المسكن ومصاريفه وغيرها.

ولكنهما ربما يتجاهلان مصلحة الصغير عمدا أو ربما لا يعيان ذلك ولا يعرف كل منهما حقوقه وواجباته في مثل هذه الحالة، أو ربما لتلقيهما أو عدم تلقيهما استشارة قانونية أو موضوعية مناسبة.

وأما رؤية أحد الأبوين لأولاده فهي حق لكل منهما إذا افترقا، وهذا أمر متفق عليه بين ‏الفقهاء، كما أنهم اتفقوا على تحريم منع أحدهما من زيارة المحضون، لما في ذلك من الحمل ‏على قطيعة الرحم.

لقد بيّنت محكمة الاستئناف الشرعية في بلادنا ومحاكم البداية على اختلاف هيئاتها، من خلال قرارات عديدة صدرت عنها، بأن حق المشاهدة والرؤية محفوظ لكلا الوالدين، وأنه عندما يسمح الحاضن، للوالد الآخر برؤية الصغير ومشاهدته فإنه لا يجود بشيء من عنده ولا يصنع معروفاً، لأن هذا حق طبيعي كفله له الشرع والقانون على حد سواء، بل إن الهدف من الرؤية والمشاهدة هو الإبقاء على تواصل دافئ قدر الإمكان بين الصغير ووالديه، ولا يجوز بأي حال من الأحوال استغلال الصغير للانتقام من الطرف الآخر، لأن ذلك يلحق ضرراً بالغاً بالصغير ويهضم حقه الطبيعي في التواصل مع والده الآخر، وأن من شأن هذا التصرف أن ينزع حضانة الصغير من الحاضن له، لأنه لا يقوم بواجبه كحاضن ويشكل خطراً على مصلحة الصغير.

فقد أقرت محاكمنا الشرعية منذ زمن مبدأ مصلحة الصغير أولا وآخرا وهي تسعى بشتى الطرق والوسائل لتحقيق هذه المصلحة.

فعلى كلا الوالدين أن يدركا جيدا بأن مصلحة الصغير تتطلب منهما  بأن يعملا كل ما بوسعهما لتجنيب الصغير أي ضرر قد يلحق به جراء عدم تمكينه من مشاهدة والده الآخر، ولذا عليهما ان يلتزما بقرارات المشاهدة وتمكين الطرف الآخر من مشاهدة الصغير ورؤيته وفقا للأوقات المذكورة في القرار أو حسبما يتفقان عليه ، وأن يجنبا  نفسيهما والصغير من تدخل الشرطة في تنفيذ قرارات المشاهدة لأن ذلك يعود عليهم جميعا بالضرر البالغ ويؤثر بشكل خاص وسلبي على الصغير.

إن المحكمة الشرعية وحتى المدنيّة، وقبل إصدار أي قرار نهائي بشان ألمشاهدة والاستضافة تتحرى مصلحة الصغير من خلال  الاستعانة بأهل الخبرة وذوي الاختصاص، فتستعين بمكتب الشؤون الاجتماعية في بلد المتقاضيين وتكلفه بتحري مصلحة الصغير وتقديم تقرير حوله للمحكمة خلال مدة تحددها المحكمة لذلك، وتستأنس بهذا التقرير حين الفصل في مسألة المشاهدة والاستضافة وحتى في مسألة الحضانة.

ومن المفضل أن يتم الأمر بشكل توافقي، لأن ذلك يوفر العناء على الطرفين وعلى الصغار لاحقاً، ويجنبهما  تبعات إضافية هم بغنى عنها جميعاً، والتي من شأنها إلحاق الضرر بالصغير أولاً وقبل كل شيء.

فلا يحق لأي طرف أن يحرم الطرف الآخر من مشاهدة الصغير واستضافته أو يعمل على ذلك، وإننا في كثير من الحالات التي تعرض علينا، كمحامٍ مدني ومرافع شرعي، سواء في المحاكم الشرعية او المدنية، نسمع  جملة يرددها الحاضن "الصغير يرفض، ولا يريد الذهاب الى أمه أو أبيه، ولا أستطيع إجباره أو إلزامه"، وهنا قالت المحكمة كلمتها مرارا: إن مثل هذا القول لا يعول عليه لأن الصغار في مثل هذه السن، وخاصة أننا نتحدث عن صغار دون سن التمييز، لا يقدرّون مصلحتهم ولا يعرفونها، وهذا يدل بشكل واضح على أحد الأمرين: إما أن الحاضن لا يقوم بواجبه اتجاه الصغير، فلا يبين له أنه من مصلحته التواصل مع والده الآخر ولا يعمل على ذلك، وإما أنه يحرضه ويعمل بشتى الطرق لحرمان الطرف الآخر من مشاهدة الصغير، انتقاما منه كما ذكرت آنفا، وكلاهما مر، وأن من شأن هذا الفعل أن يجرده من حضانته للصغير ونزعها منه.

وأخيراً، فإنني أنصح الجميع ممن يمرون في مثل هذه الظروف  ويعانون منها أن يعملوا كل ما بوسعهم من أجل تجنيب الصغار تبعات الخلاف القائم بينهما، وألا يستعمل كل منهما الآخر الصغير للانتقام من الآخر، وأن يعملا بما تقتضيه مصلحة الصغير أولاً وآخراً، وفي حال واجهتهم صعاب أن يتوجهوا إلى أهل الخبرة والاختصاص قبل إقحام المحكمة والشرطة في الأمر لأن من شأن ذلك أن يزيد الأمور تعقيدا، وخاصة أننا نتحدث عن فلذات أكبادنا.
والله ولي التوفيق.‏