|
انتفض دم الشهيد
المحامي عمر خمايسي - مؤسسة ميزان لحقوق الانسان - الناصرة
09/03/2014

انتفاضة دم وشهداء ... ثلاث كلمات لم تسلم من التجريم من قبل المؤسسة القضائية، والتي من المفروض أن يكون القضاء فيها مرافقا للعدل والإنصاف، إلا أن واقع القضاء الإسرائيلي يؤكد لنا مرة تلو الأخرى أن هذه مصطلحات غير موجودة في قاموسهم عندما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين، أو أمور يرون أنها قد تمس بسيادة الدولة أو أمنها أو مخططات ومشاريع قومية. ولهذا نجد القضاء الإسرائيلي يتفنن في وضع مسوّغات تحفظ ماء وجه المؤسسة الإسرائيلية، وخصوصا أمام "العالم المتحضر" لتسهيل تسويق تصرفاتها بهدف الدفاع عن التمييز الصارخ الذي تنتهجه. وكم هي القرارات الجائرة التي صدرت من هذه المحاكم، والواقع يبين لنا أننا نعيش وضعاً اختلـّت فيه موازين العدالة .

في قراءتي لقرار العقوبة الأخير في ملف خطبة "وادي الجوز" تعجبت لمسوغّات قرارها، الذي استند أصلاً على إدانة باطلة قانونياً من حيث التعليلات والمسوغات القانونية ولسوابق في ملفات مشابهة. ونرى أنه لا بد من الاستئناف على مبدأ الإدانة ،لخطورتها من حيث البعدين القانوني والسياسي. صحيح أن الإدانة والعقوبة في ظاهرها هي ضد شخص الشيخ رائد صلاح، إلا أننا نرى في القرار إدانة لخطاب الحركة الإسلامية وللداخل الفلسطيني بمركباته المختلفة، بل لكل حر على وجه الأرض يناصر قضية صادقة وعادلة، وهي إدانة لكل مناهض للاحتلال المُجَرَّم دولياً ،وهي إدانة لأحباب المسجد الأقصى.

القاضية، التي بدا عليها علامات الارتباك وهي تقرأ قرار الحكم عللت قرارها بأن قوة التأثير الممكن لوقوع ضرر جراء خطاب الشيخ يكمن أولاً في الفحوى ،وثانياً لمكانة الشيخ محلياً وعالمياً ،وثالثاً أنه تحدث به أمام مئات من المناصرين ممن وصلوا إلى القدس للاحتجاج على الأعمال (الهدم) في باب المغاربة، حيث نقلت الخطبة عبر وسائل الإعلام المرئية للعالم. ورابعاً أن الفترة التي قيل فيها الكلام كانت ساخنة ومتوترة في العالم العربي والإسلامي، وقالت القاضية إن الشيخ رائد كرر أكثر من مرة كلمة (انتفاضة، دم، شهداء)، ما قد يثير مشاعر المستمعين من جمهوره لممارسة العنف ،خصوصا بعد ربط كلامه بانتفاضة لنصرة الأقصى من الاعتداءات والهدم.

وتعترف القاضية في قرارها أنه لم يصدر حبس فعلي لأي متهم في مثل هذه المخالفات!! أمثال: ايتمار بن غفير، ونوعم فدرمان، وميخائيل بن حورين، وشموئيل بن يشي وداوود عبري وغيرهم (جميعهم يهود)، حيث تراوحت أحكام العقوبة بين حبس مع وقف التنفيذ وبين أعمال لمصلحة الجمهور وغرامات مالية. وتتابع القاضية وتقول: مع أن العقوبات مخففة نسبيا في ملفات مشابهة، إلا أن هذا لا يعني أنها مخالفات غير خطيرة ولا تستحق الحبس الفعلي، وترى أن العقوبة الحقيقية لمثل هذه المخالفات الحبس الفعلي من 3-18 شهرا. 

ولأن الشيخ رائد صلاح ارتكب المخالفة بعد أيام قليلة من إبعاده عن الأقصى بتهمة الاعتداء وإعاقة شرطي أثناء تنفيذ عمله (ملف باب المغاربة) يفيد بضرورة التأكيد على مبدأ الردع، وكون الشيخ رائد صلاح استهتر بأفراد الشرطة وسيادة القانون بأفعاله وكلامه، ولأنه لم يعتذر ولم يتراجع عن كلامه الذي قيل في الخطبة، تتوصل القاضية لقناعة بإصدار الحكم بالسجن الفعلي.

لطالما تغنت المؤسسة الإسرائيلية بأنها واحة الديمقراطية في محيط دكتاتوري استبدادي ظالم ، وأن حق التعبير عن الرأي هو القلب النابض لهذه الديمقراطية، إلا أنه أمام أول امتحان في ملف خطاب سياسي واضح وصريح يمثل رأي الداخل الفلسطيني ،المضطهد في أرضه، المناضل والمقاوم للسياسات العنصرية، يطلق صرخة إدانة للاحتلال وسياساته اتجاه القدس والاقصى، نرى القضاء الإسرائيلي يجرم هذا الخطاب ويسقط قناعا آخر عن وجهه.

في المقابل، اتخذت المحكمة البريطانية موقفا مغايرا تماماً في تفسيرها لخطاب الشيخ في الملف الذي أدين فيها مؤخرا، حيث كانت المؤسسة الإسرائيلية قد زودت النيابة العامة في بريطانيا بلائحة الاتهام لملف وادي الجوز، في محاولة بائسة لتصوير الشيخ كمحرض على العنصرية والعنف لتسهيل ترحيله من الأراضي البريطانية آنذاك، إلا أن القضاء البريطاني تفهم هذا الخطاب واعتبر أنه يندرج تحت حق التعبير عن الرأي ،ولا يوجد فيه أي تحريض، بل تفهّم أن هذا هو خطاب كل من يناصر قضية عادلة صادقة مدافعا عنها ،حتى وإن لم يرُق لسلطات الدولة.

وأخيراً نقول للمؤسسة القضائية: احتفظوا بهذا القرار في مجلداتكم فهو وصمة عار لأرشيفكم القضائي.