|
الحضانة
المحامي زياد عرابي
13/05/2013

بقلم المحامي زياد عرابي

من المشاكل الاجتماعية المنتشرة اليوم في مجتمعنا ومن أهم القضايا التي تعالجها محاكمنا الشرعية، هي مسألة الحضانة،

 والشارع الحكيم بيّن حكم الحضانة وخاصة عند حصول النزاع والشقاق بين الزوجين، سواء انتهى بافتراق او تفريق (طلاق)، وهناك عدة مركبات يجب مراعاتها عند الخوض في مسألة الحضانة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
الجهة الحاضنة.
سنّ الصغير المحضون.
مصلحة الصغير.
وقبل التطرق الى تلك المركبات او المعايير الثلاثة لابد من بيان ماهية الحضانة، شروطها، وإسقطاتها.
تعريفها:
الحضانة هي القيام بحفظ الصغير أو الصغيرة، او المعتوه الذي لا يميز، ولا يستقل بأمره، و تعهده بما يصلحه، ووقايته مما يؤذيه ويضره، وتربيته جسميا ونفسيا وعقليا، حتى يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بما عليه من مسؤوليات .
حكمها :
والحضانة واجبة للصغير والصغيرة، لأن المحضون يهلك بتركها، فوجبت حفاظًا عليه من المهالك والمخاوف .
لمن حق الحضانة :
للأم حق الحضانة ما دام الولد صغيراً، فعن عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: "يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني. فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي". رواه أحمد وأبو داود.
وقال بعض العلماء: "إن الحضانة تتعلق بها ثلاثة حقوق معًا: حق الحاضنة، وحق المحضون، وحق الأب أو من يقوم مقامه، فإن أمكن الجمع بين الحقوق، وجب العمل بها، وإلا فيعتبر الأوفق للمحضون، وتعتبر أمور تجبر الأم على حضانة ولدها إذا لم يوجد غيرها، أما إذا وجد غيرها فهي الأولى إلا أن يكون عندها مانع،­ ولا يصح أن يأخذ الأب الولد لحضانته من الأم إلا لأمر شرعي، كأن تكون الأم منشغلة عن الصغير وغير قادرة على القيام بشؤونه وتربيته وتنشئته، أو قد تفسد الولد في التربية، والأب سيصلحه.
وتقدم الأم على الأب في الحضانة، بشكل عام، ولكن هناك حالات يراعيها الشرع، بحيث تعطى الحضانة للأب او من يقوم من جهته وفقاً لمصلحة الصغير.
شروط الحضانة:
تقسم الشروط التي تعتبر في الحضانة إلى ثلاثة أقسام:
قسم مشترك بين الرجال والنساء، وقسم خاص بالنساء، وقسم خاص بالرجال.
أ- الشروط المشتركة :
يشترط فيمن له حق الحضانة من الرجال والنساء البلوغ والعقل والقدرة علي تربية المحضون، واشترط البعض الأمانة والخلق، فيمنع الفاسق والفاسقة من الحضانة، وقيد بعض علماء الحنفية الفسق الذي يضيِّع الولد، ويرى الإمام ابن القيم أن هذا الشرط غير معتبر لأمور.
1. أن اشتراط العدالة في الحضانة فيه ضياع لأطفال العالم، لمانع ذلك من المشقة على الأمة.
2. انتزاع الطفل من أبويه بسبب الفسق فيه من عسر وحرج على الأمة، لأن الفسق منتشر وهو موجود ما دامت الحياة باقية.
3. لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم (ولا أحد من الصحابة) فاسقًا في تربية ابنه أو حضانته له.
4. العادة تشهد أن الفاسق يكون حريصًا على ابنته، فهو يحتاط لها ويحرص على ما ينفعها.
5. لو كان الفسق مانعًا للحضانة، لاشتهر هذا الأمر بين الأمة لأنه مما تعم به البلوى.
واشترط الأحناف ألا تكون الام مرتدة لأن المرتدة تحبس حتى ترجع إلى الإسلام أو تموت في الحبس.
ب. شروط خاصة في النساء:
يشترط في المرأة ألا تكون متزوجة بأجنبي عن الصغير أو بقريب غير محرم منه، لأن الزوج قد يعامله بقسوة، لانشغالها به عن حق الزوج، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ("أنت أحق به ما لم تنكحي"[أحمد وأبو داود]. ، وألا تقيم الحاضنة بالصغير في بيت يبغضه ويكرهه' ،وهنا تجدر الاشارة إلى أنه من الناحية العملية قامت محاكمنا الشرعية في البلاد بتعديل هذا المبدأ معتمدة مبدأ "مصلحة الصغير" حيث ان حق الأم في الحضانة لا يسقط بشكل مباشر وتلقائي حين زواجها من أجنبي، وانما تتحرى المحكمة مصلحة الصغير أولاً.
ج- شروط خاصة بالرجال:
يشترط في الرجل الحاضن أن يكون محرمًا للمحضون إذا كانت أنثى تشتهى، وقد حدد الفقهاء سنها بسبع سنين، حذرًا من الخلوة بها، وإن لم تبلغ حد الشهوة، أعطيت له بلا خلاف، وتعطى لغير المحرم إذا لم يوجد غيره وكان مأمون الجانب، وأن يكون عند الحاضنة من النساء من تقوم على خدمة المحضون.
يسقط حق الحضانة بأربعة أسباب، هي:
1. أن يسافر الحاضن سفر نقلة وانقطاع إلى مكان بعيد.
2. أن يكون في جسد الحاضن ضرر كالجنون والجذام والبرص.
3. أن يكون الحاضن فاسقًا غير الأب.
4. أن تتزوج الحاضنة، إلا أن تكون جدة الطفل زوجًا لجده، أو تتزوج الأم عمًا له، فلا يسقط حق الحضانة، لأن الجد أو العم محرم للصغير، (وهنا قلنا أن المحكمة الشرعية في بلادنا أجرت تعديلا عمليا على هذا المبدأ).
مدة الحضانة:
يرى الأحناف (لأن محاكمنا الشرعية تعمل وفقا للمذهب الحنفي) أن الحاضنة أحق بالغلام حتى يستغني عن خدمة النساء، وقدر زمن استقلاله بسبع سنين، والحاضنة أحق بالفتاة الصغيرة حتى تبلغ سن الحيض أو الإنزال أو بعد تسع سنين أو إحدى عشرة سنة.
أما الفتاة اذا بلغت تسع سنين، فالأب أحق بها، ولا تخير، لأن الأب يرعى مصلحتها عند هذه السن أكثر من الأم، وكما ذكرت أعلاه أن حق الأم بالحضانة لا يسقط مباشرة وإنما ننظر أين تكمن مصلحة الصغير، وهذا ما تعمل به محاكمنا الشرعية في بلادنا اليوم.
خلاصة القول:
نرى أن المعيار الأساس في محاكمنا الشرعية هو تحري مصلحة الصغير أولاً وآخراً وهذا المعيار معتمد أيضا في محاكم شؤون العائلة، ولذا على الوالدين أن يعملا كل ما بوسعهما من أجل مصلحة الصغير ولا يستخدما الصغير كوسيلة للانتقام من الطرف الآخر أو لابتزازه مادياً وغيرها، لأن الواقع الذي نراه ونحياه يشير إلى أنه في الكثير من الحالات التي تعرض على محاكمنا نلمس ذلك بشكل واضح فتغيب مصلحة الصغير، وهذا يلحق ضررا بالغا بالصغير يصعب إصلاحه فيما بعد.
ولذا على الوالدين تجنيب الصغار ويلات النزاع القائم بينهما والعمل بما تقتضيه مصلحة الصغار والتعاون فيما بينهما من أجل ذلك لأن هذا يوفر عليهم أعباءً مادية ونفسية وتبعات قد لا تحمد عقباها، فالحضانة ليست مجرد الحصول على حكم من المحكمة.