|
الديمقراطية في "الدولة اليهودية" أحجية أم أضغاث أحلام
المحامي حسان طباجة
03/06/2010


المحامي حسان طباجة - مركز ميزان لحقوق الإنسان
http://www.meezaan.org/images/hassan-s.JPG

 

الديمقراطية في ما يطلقون عليه "الدولة اليهودية" ووفق ما نراه من سياسات الحكومات المتعاقبة تحمل معان جديرة بالتمعن والانتباه.


الديمقراطية في الكتب والمدونات هي "حكم الأغلبية", وتطبيق هذا الحكم في "الدولة اليهودية" لسان حاله يقول "لا وجود إلا للأغلبية", فإذا أنت نظرت, يا من تعتبر ابن أقلية,  في الصباح في المرآة فعليك أن تعلم أنك غير موجود وان الانعكاس الذي تراه لشخصك ما هو إلا خيال الماضي المندثر وسراب الواقع المنتشر, وإذا أنت صرخت في فضاء الكون وقلت بعالي الصوت أنا مسلم, عربي فلسطيني فان أذنك لا بد أخطأت فيما سمعت, فكما أنك غير موجود فصوتك لا بد غير مسموع, وأما هذا الصوت المرتد إليك فهو صدى الماضي لا حقيقة الحاضر وغبار الأطلال لا مسيرة الأقدار, هكذا هي المعاني والعبر التي تسري على الفلسطيني في "الدولة اليهودية" .

ومن الديمقراطية صيانة حياة الإنسان وكرامته, وفي علم الكلام والفلسفة للمصطلحات معان وتأويلات عديدة فإذا أردت أن تصان حياتك وألا تنتهك كرامتك فقد يتوجب عليك أن تثبت للدولة انك حقيقة "إنسان" وانك "حي" وان لك كرامة, وليس الأمر مفروغا منه كما قد يتصور غالبية الناس, ففي "الدولة اليهودية" قد لا يعترف بوجود الفلسطيني في الداخل, فإما انك إسرائيلي فيتم الاعتراف بك أو انك غير موجود, أما إن كنت تركيا أو اندونيسيا أو كويتيا أو حتى أجنبيا أوروبيا فأنت من الغوييم وحياتك مداها في طرف رصاصة تخترق جسدك وأنت على ظهر سفينة في وسط البحر على أنغام الموج قبل طلوع الفجر بساعة لمجرد انك تريد أن تدخل الطعام والدواء إلى مليوني جائع ومحاصر.


 أما بالنسبة للكرامة فالأمر أكثر تعقيدا فهنالك الإسرائيلي اليهودي وهنالك الآخرون وهم أيضا من الغوييم وهذا الأخير (الغوي) له مميزات منها انه لا يحق له طلب لم الشمل مع عائلته ولا يحق له احتضان أولاده والعيش معهم, وإذا ما خرج من البلاد لمدة معينة فانه يفقد المواطنة, أما إذا ما طالب بأرضه أو أن يرجع إلى بلدته التي هجر منها قسرا فانه يقال له "أنت غائب" وأرضك صارت "كيرن كييمت" ملك للشعب اليهودي !, ومن مميزات "الغوي" أيضا انه إذا مات (ورحمة الله عليه) فلا يأمن أن ينبش, بعد مدة, قبره ويقام على رفاته خمارة أو موقف سيارات أو حتى متحف للتسامح بين الأديان.


ومن الديمقراطية حقوق أساسية تعارفت عليها كل شعوب الأرض, لا يستطيع أن ينكرها أحد, ومن ضمن هذه الحقوق الحق في حرية التعبير عن الرأي ومنها الحق في أن تقف, بهدوء, مع مجموعة من طلبة الجامعات ترفع لافتة تقول "فكوا الحصار عن غزة" من دون أن ينقض عليك "الأشاوس" من رجال الشرطة بالعصي والهراوات ومن ثم يزج بك في السجن بتهمة "الإخلال بأمن الدولة" وذلك على مرأى من ألف طالب يهودي يقفون قبالتك يصفقون ويمرحون ويصرخون ويبصقون ويعبرون لك عن مدى رضاهم عن النظام الديمقراطي في هذه البلاد!


ومن الديمقراطية الحق في العدالة والمساواة, ونضرب مثلا أن تكون نسبة الموظفين في الدوائر الرسمية أكثر من 3% مع الأخذ بعين الاعتبار انك تمثل, إحصائيا, 20% من المواطنين, ومثلا أن يسمح لك, كعربي, بالمشي على شوارع معبدة وأرصفة نظيفة وجادات مشجرة ومساحات خضراء وذلك دون الحاجة للخروج من بلدتك إلى البلدة اليهودية المجاورة لتحقيق هذه المعجزات, وكذلك مثلا آخر وهو أن تستطيع أن تقرأ لوحة الإشارات بلغتك وان ترى بجانب الكلمات العبرية والروسية والأثيوبية على كيس الحليب بعض الأحرف العربية.


ومن الديمقراطية احترام الإنسان, ومن قلة الاحترام أن تستيقظ في المستشفى بعد أن تطلق الشرطة عليك عيارات نارية في أحداث هبة الأقصى فترى لافتة علقت على سريرك كتب عليها "عدو", ومن قلة الاحترام (والأدب) أن يتم استدعاؤك إلى محطة الشرطة بدعوى "تعارف مع المخابرات", ومن قلة الاحترام أن تضطر أن تعلق بطاقة هويتك الزرقاء على لحيتك أو على غطاء رأسك إن كنت امرأة من كثرة ما يتم سؤالك عنها من قبل رجال الأمن والشرطة, ومن قلة الاحترام أن يجلس على باب مسجدك جندي مدجج بالسلاح واضعا رجلا على رجل يقول لك ادخل ولا تدخل.


يقول نائب رئيس المحكمة العليا حيشين في مقدمة القرار المشهور الذي أبقى على القانون العنصري والذي يمنع لم شمل الفلسطينيين مع أزواجهم من الخارج ما يلي:
"بعدما قرأت ما كتبه القاضي باراك وضعت يدي بيده وسمحت له أن يأخذني معه في طريقه, وهكذا سرنا في ممرات حفرتها المبادئ الأساسية, وصعدنا إلى قمم الحقوق الإنسانية, ومررنا على النظريات, ونزلنا إلى النظم القانونية, وفي طريقنا هذه سار معنا طوال الوقت العدل والصدق والأمانة والحس السليم. وفي نهاية المسيرة صعدنا إلى سفينة ووصنا إلى جزيرة في وسط المحيط. نزلنا من السفينة, وهناك على الشاطئ قابلنا شخص شرح الوجه.


"أهلا وسهلا" رحب بنا الشخص ذو الوجه النير.

"أهلا بك" قلنا ثم أردفنا  "نحن من إسرائيل, من المحكمة العليا لدولة إسرائيل, ومن حضرتك؟" سألنا.

"اسمي هو توماس, توماس مور. ومنهم من يدعوني توماس موروس".

"تشرفنا. وما هو هذا المكان الذي نحن فيه؟" سألنا.

"أنتم موجودون في دولة أتوبيا", أجاب الشخص, وأضاف: "دولة اتوبيا أقيمت بحسب برنامج وضعته في كتاب ألفته واسم هذا الكتاب كاسم الدولة: اوتوبيا, ومن الجدير القول", أضاف الرجل, "أن كلمة اتوبيا هي باللغة اليونانية ومعناها  "ولا مكان".

"مثير للاهتمام حقا", قلنا, "ونحن بصفتنا رجال قانون نود أن نضيف ونسألك: ما هو نظام القانون الساري في اتوبيا؟ هل هو كنظام القانون في إسرائيل؟"

ابتسم السيد مور وأجاب: "يأسفني, هنالك فروقات عميقة بين نظامي القانون, وسيمر زمن طويل حتى تستطيع إسرائيل ان تصل إلى درجة اتوبيا. إلى ألان انتم تحاربون لأجل حياتكم, لأجل قيام الدولة, وعلى قدرة الشعب اليهودي لإدارة مجتمع ودولة كباقي الشعوب. قوانين اتوبيا – في وضعكم الحالي هذا – ليست لكم. حافظوا على أنفسكم, اعملوا جهدكم, وعيشوا", هكذا قال الشخص ولم يزد.


يقول القاضي حيشين بعد هذه الرواية:

"واستيقظت وكان حلما".
-    انتهى - 


هذا القرار كان قد صدر في 14.5.2006 وقد انزل ضربة قاصمة على آلاف العائلات الفلسطينية في الداخل والتي مزقت أوصالها وصدر بحقها أوامر إبعاد من البلاد للأب أو للام لمجرد انه فلسطيني الأصل.
إذا "فالدولة اليهودية" تعلن للعالم قولا وعلى ارض الواقع أنها لا تريد قوانين العدل والإنصاف وحقوق الإنسان والديمقراطية لأنها, بحسب الادعاء, لا توافق واقع الدولة, هذا الواقع الذي مر عليه 62 عاما وما زال, هذا الواقع الذي نرى منه كشعب فلسطيني وجها آخرا آلا وهو وجه معاناة شعبنا وتضحياته وصموده وصبره.
بغض النظر عن الحلم أو الخيال في معاني الديمقراطية يبقى الواقع هو الأصل وهو المعبر عن حقيقة "الدولة اليهودية" وهذا الواقع يقول أنه مهما كانت الظروف فان على هذه الأرض شعب فلسطيني قد جسد ولا يزال يجسد قول الشاعر في أبيات شعر ما فتئت تنشد وتغرد وتقول : "إنا باقون, إنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون إنا باقون".