|
مجرم الحرب و المجرم ضد البشريه - ما بين الاستثناءات والموازنات
المحامي حسان طباجه – مدير مركز ميزان لحقوق الإنسان
31/07/2006

مجرم الحرب و المجرم ضد البشريه - ما بين الاستثناءات والموازنات

لا زلت اذكر جيدا الدرس الاول في القانون الجنائي حيث افتتح المحاضر الدرس, وهو دكتور في القانون وقاض في مهنته, بسؤال "كيف نعرف ان كان عمل ما مسموح هو ام انه مخالف للقانون؟"

 

وكان الجواب الذي اعطاه المحاضر مفاجئا لنا حيث قال انه في أكثر من 90 بالمائه من الحالات فان الجواب القانوني الصحيح هو ذاته الجواب الذي سيخبرك به اي فرد من العامه في السوق او الشارع اذا ما عرضت عليه الوقائع وذلك لان القانون الجنائي انما جاء ليمنع الاعمال التي يراها المجتمع بشكل بديهي كجرم يستوجب العقاب.

 

ان المنطق الاساس انما يؤكد ان القانون والشرائع ايا كانت انما جاءت لتتعامل مع الطبيعة الانسانيه وهي في جوهرها واحده تميز بشكل تلقائي وفطري الصواب من الخطأ والمقبول من اللا مقبول.

 

ومن هذا المنطلق ومن هذا الاساس فقد وقعت الدول فيما بينها وثائق ومعاهدات تحدد الخطوط الحمراء في التعامل والنهج خاصة في اوقات الحرب والنزاعات, والحقيقة هي ان هذه المعاهدات ليست حصرية للعصر الحديث حيث ان الانسانيه على مدار التاريخ ومن خلال كل حقبة زمنيه واخرى تعارفت فيما بينها على "آداب للحرب" وقوانين تحكمها ومثال ذلك ما كان متعارفا عليه من عدم قتل الرسل وغيرها.

 

ان تاريخ البشرية ليشهد ان الآداب التي انتهجها المسلمون في حروباتهم على مدار التاريخ كانت وستبقى المثال الاعلى والهدف المبتغى في معاني الرحمة والانسانيه.

 

في مقابل هذا فان دولة اسرائيل ومنذ قيامها وحتى اليوم كانت رمزا صارخا للظلم ووصمة في جبين ما يسمى العالم المتحضر حيث انها ومع صغر رقعتها ومحدودية مدة وجودها الزمنيه فقد نجحت في مخالفة اصول الاعراف الدوليه وانتهاك اسس الحقوق الانسانيه واقتراف الجرائم ضد البشريه بل واستحداث ما لم يكن معروفا من الجرائم والانتهاكات.

 

وهنا نأتي الى زبدة فكرة هذا المقال, وهو يتعلق بالكيفية التي ادارت بها اسرائيل هذه الاحداث والاعمال من خلال المؤسسات الدوليه او الداخليه ومن ضمنها القضاء الاسرائيلي.

 

ان اسرائيل كانت على قدر من الحنكه انها ابدا لم تعترض بشكل مباشر على الاعراف الدوليه او شرعيتها او الحقوق الانسانيه او مصداقيتها ولكنها في المقابل ادخلت العالم في دوامه لا نهائيه من الاستثناءات ونظريات معقده من الموازنات كان في محصلتها الغاء اي تحديد فعلي على اعمال وتصرفات اسرائيل من خلال الالتفاف حول القوانين والشرائع الدوليه والامثله على ذلك لا تنتهي ابين هنا بعضا منها فيما درج على لسان اسرائيل ومسؤوليها:

 

1.      لم يكن قيام الدولة احتلالا بل استعادة لارض الاجداد.

2.      لم يتم ترحيل شعب وتشتيته بل كانت الارض فارغه ومن خرج فعل ذلك من تلقاء نفسه.

3.      لا يوجد اي ظلم على مواطني الدوله العرب بل هم يحصلون على اكثر مما يحصل عليه العرب من حولهم.

4.      القانون الدولي يمنع اقامة المستعمرات ولكن اسرائيل (والمحكمه العليا) تعتبرها ضمن "مرافق امنيه مؤقته".

5.      القانون الدولي يمنع معاقبة مجموعات او افراد لجناية اخرين اما اسرائيل (والمحكمه العليا) فترى ان هدم البيوت ليس عقابا جماعيا انما هو "اداة ردع" – طبعا نحن الذين لم نفهم قصدهم -.

6.      القانون الدولي يمنع العقاب من دون محاكمه ويمنع قتل المدنيين واسرائيل تسمي التصفيات الجسديه "قتل جنود العدو خلال معركه".

7.      القانون الدولي يمنع مهاجمة السياسيين واسرائيل تقول "السياسيين والعسكريين لا فرق بينهم" – طبعا ليس هنالك اهميه خاصه لاثبات هذا القول!

 

ان ادارة الاحداث الاخيره تابعت على نفس النهج والمنوال فالقانون الدولي يعتبر ان قتل المدنيين هو على رأس جرائم الحرب اما اسرائيل فتقول "قتلنا مسلحين" او "ارهابيين" واذا ما تبين انه طفل فتقول "انه اطلق النار من تجاهه" واذا كان سائرا في الطريق العام حين قتله تقول "ضحيه لا يمكن تجنبها" وان الصواريخ الذكيه تقلل الاصايات, واذا دخل صاروخ ذكي بيت عائله نائمه او على طاولة العشاء تقول اسرائيل "خطأ تقني" او "نأسف... ولكن..." واذا سقط الصاروخ على رأس جنود الامم المتحده من الطائرات الذكيه والمزوده بخرائط ذكيه والمدعومه بافضل جهاز استخبارات وصور الاقمار الصناعيه تقول "يجري التحقيق بالامر" واذا قال قائل "كان القصف متعمدا" "تصدم اسرائيل من شدة الظلم في هذا القول" "كيف تستطيع يا سيد عنان ان تتخيل ولو مجرد خيال ان تقتل اسرائيل ابرياء !!!"

 

وبعد ذلك كله اذا لم يشف هدم البيوت غليل القوم نسمع خبر صاروخ غاية في الذكاء (مستورد من امريكا) يقتل مع يقارب من 60 شخصا (ربما ابرياء) ومنهم 40 من الاطفال (على ما يبدو ابرياء) وعندها يأتي رد اسرائيل الواضح والمباشر "هم المسؤولون" وان "المبنى سقط لوحده مع انا نعترف بقصفه !" سبحان الله.

 

اما من يتجرأ على اتهام اسرائيل باي تهمه فهو طبعا "لا سامي" حتى لو كان سام بن نوح عليه السلام نفسه بلحمه وعظمه.

 

لا شك في ان جعل السكان المدنيين او الافراد المدنيين هدفا للهجوم هو من جرائم الحرب بل ومن الجرائم ضد البشريه ولا شك في ان اسرائيل قد تجاوزت مرحة الانتهاك الى مرحلة الطغيان ومن مرحة المباشره الى مرحلة الاسترسال في هذا الامر.

 

اما ما يصدر عن اسرائيل من تعليلات او تبريرات او استثناءات او موازنات فأعود الى ما بدأت به واقول كل ذلك فارغ ومردود ولم يعد يخدع احدا واذا اردتم ان تعرفوا الجواب فاسألوا اي فرد واي شخص في العالم هل ما تقوم به اسرائيل هو جرائم حرب ام لا؟

 

لقد جاء الجواب متمثلا باختباء الجنرال دورون الموغ "דורון אלמוג" في طائرة ال-عال هربا من الاعتقال في بريطانيا بسبب تهم  تتعلق بجرائم الحرب وهو ما مثل لدى العديدين في اسرائيل انهيارا لنظرية الحصانه المطلقه وهو ما كان بدايته مع توقيع معاهدة روما من سنة 1998 والتي اسست المحكمه الدوليه لمحاكمة جرائم الحرب ومقرها في هاغ – هولندا وهي محكمه ذات صلاحيه واسعه وغير محدوده لنزاع محدد كما كان الحال في المحاكم التي اسست سابقا في يوغسلافيا ورواندا.

 

ان ستار الخداع والتمويه حاله في اسرائيل كحاله في العالم لم يعد يحجب عورة المعتدي ولا حتى من امام طفل في الخامسة من عمره اللهم الا من كان كان اعمى او يتصنع العمى كحال بعض المتسولين والنصابين, وعليه فان شعوب العالم باتت تدرك حقيقة الامر قهي الان امام احد الخياران اما التصدي للظلم واما تكون من المشاركين وليس لاحد عذر انه "لم يعلم".

 

وانهي مقالتي بالاشارة الى بند في قانون اسرائيلي يدعى قانون "محاكمة النازيين واعوانهم" من سنة 1950 ولا حاجه الى اضافة اي تعليق او توضيح فالكلام جلي واضح ولكن على اسرائيل ان تقرأ كتبته هي في قانونها ولكن على ما يبدو انها نسيته, يقول القانون:

 

"جريمه ضد البشريه هي:

قتل اباده, تجويع, اجلاء سكان مدنيين, وكل عمل لا انساني ضد سكان مدنيين؛ وايضا مطارده لاسباب قوميه, دينيه او سياسيه؛

 

جريمة حرب هي:

قتل سكان مدنيين في ارض محتله او داخل ارض محتله... تدمير عشوائي لمدن او قرى وتخريب ليس له داع عسكري".

 

هذا وان بقي هنالك سؤال او تساؤل فيما يتعلق بنهج اسرائيل في الاحداث الاخيرفي الضفه وقطاع غزه او في لبنان فان مجال التساؤل قد بات بين الاسود والاسود منه وانا قد نجد الجيش الاسرائيلي من الجندي الى القائد وقد نجد الاداره السياسيه من الموظف الى الوزير قد باتوا احد اثنين ما بين مجرم حرب ومجرم ضد البشريه.